الاثنين، 5 ديسمبر 2016

تعريب الحاسوب والصراع الحضاري




                                                           بسم الله الرحمن الرحيم

تعريب الحاسوب والصراع الحضاري:

قد انشغل العرب بقضية التعريب زمناً طويلاً، واستنفدت منهم جهوداً كثيرة، وما تزال القضية مبعث تحاور وسجال بشأن جدواها وأهميتها في تأسيس مجتمع معرفي عربي يمتلك المعرفة بالعربية، ويتداولها ويبني عليها ويعيد إنتاجها بالعربية أيضاً. وما تزال جهود التعريب مبعثرة فردية كانت أو مؤسسية. ويمضي رافضو التعريب في إلقاء اللوم على العربية، زاعمين أنها فقيرة المفردات، ضعيفة الأساليب، عاجزة عن استيعاب المفاهيم العلمية؛ لأنها لغة الناقة والصحراء...القديمة.
وها هي ذي القضية تطفو على السطح من جديد في ثوب جديد، وعلى نحو ماسّ ومُلِحّ جداً في زمن تتعاظم فيه المعرفة وتتوالد المعلومات وتتكاثر دون أي حاجز أو ضابط، فيصير التعريب، والحال هذا، لبنة أساسية في بناء مجتمع المعلومات العربي، وهو الركن الرئيس لتهيئة المجتمعات العربية لدخول عصر الانفجار المعرفي واقتصاد المعرفة وإدارتها.
وإذا كانت جهود تعريب العلوم قد تعثرت كثيراً، فإنها قد حققت نجاحات طيبة في مجال الحاسوب، عتاده وبرامجه ووحداته ولغاته وملحقاته، فكان ذلك المقدمة الأولى لإدخال المجتمعات العربية عصر المعرفة.
ويبدو تعريب علوم المعلوماتية غير مُسْتَغْنٍ عن تعريب العلوم الأخرى، إذ "لا يمكن تعريب علوم الحاسوب دون تعريب كل المواد ذات الصلة، مثل الرياضيات والمنطق وعلوم اللسانيات والتوثيق والمعلومات، وغير ذلك. فنلاحظ مثلاً أن بعض الدول العربية التي تُدَرِّس المواد العلمية ذات الصلة بعلوم الحاسوب باللغة العربية هي أكثر قابلية لتدريس المعلوماتية باللغة العربية".
ويظهر أن ثمة عوامل هامة تجعل من التعريب قضية هامة في الصراع الثقافي المحتدم في العالم، ولعل أهم هذه العوامل:
  ·              استخدام كثير من الشعوب الحرف العربي (في آسيا وأفريقيا) وهذا يجعل من إدخال الحرف العربي الحاسوبَ فرصة عظيمة للمحافظة على استخدام هذا الحرف، ودَفْع هؤلاء الناس إلى مزيد من المساهمة في تطويع الحاسوب للعربية، ولن تعدم هذه الشعوب عقولاً فذة تنجز ما نسعى إليه كالباكستان وإيران وسواهما، وهكذا يحقق علماء هذه الدول هدفاً خاصاً بلغتهم وهدفاً عاماً يخدم الحرف العربي.
·                   إلْفُ كثير من الشعوب التي تستخدم الحرف العربي بالعربية يدفعهم إلى الإقبال على تعلمها ونشرها.
·                   اقتصار تداول المعرفة بالإنجليزية حَسْب يحرم كثيراً من المجتمعات العربية الاستفادة من هذه المعارف، ويظهر هذا أكثر ما يظهر في البحوث العلمية المتخصصة والرسائل الجامعية، إذ إن كثيراً من الطلبة يحجمون عن دراسات هامة يحتاجها مجتمعهم؛ لأن معظم ما نشر في هذا الميدان بالإنجليزية. فيؤثرون السلامة ويعيدون طرح موضوعات تقليدية قد تكون عديمة الجدوى. بل إن بعضهم يدرس موضوعات جادة ولكن افتقاره للإنجليزية وانعدام ترجمات عربية يجعله يقصر عن بلوغ المُؤَمَّلِ من عمله، فينتهي العمل إلى الفوضى الأحكام العامة والنتائج الخاطئة.
ومستصفى القول في تعريب المعلوماتية؛ أدواتٍ ومعارف ومصطلحات وكتباً، أنها عامل موطِّئ للتنمية الشاملة؛ إذ إن تعميم المعرفة المعلوماتية بالعربية ينأى بها عن الاقتصار على من يعرفون الإنجليزية، فيصير كل عربي قادراً على مسايرة التطور التقني والعلمي، ويكون معيناً على التنمية الشاملة ومسهماً إسهاماً فاعلاً في تقدم مجتمعه ورقيه، وحين تَمَّحي أمية المعرفة بالحاسوب بالعربية نكون قد وضعنا أقدامنا على الدرب الصحيح، التنميةِ البشريةِ وصولاً إلى التنمية الشاملة.
ونحن، إذ نعرِّبُ الحاسوب وتطبيقاته نوفر مبالغ طائلة ندفعها للخبراء الأجانب، ولبرامج الترجمة، فتصير هذه المبالغ جزءاً من ميزانيتنا في التنمية البشرية.

هناك 5 تعليقات: